مركز الثقافة والمعارف القرآنية
215
علوم القرآن عند المفسرين
والجسد ومتّحدا معه اتّحاد الرّوح مع الجسد ، وهذا هو معنى التّنزيل والتّأويل والظهر والبطن ، وقد مضى : انّ القرآن له مصاديق متعدّدة بحسب النشآت ، وان مصاديقه الطبيعيّة ظهوره وتنزيله ، ومصاديقه الرّوحانية بطونه وتأويله ، فهذا الوجه جار في القرآن ومراد من هذا الخبر . واما أن تكون في العرض : بمعنى انّ كلا من المصاديق يكون مغايرا للآخر ومقابلا له لا متّحدا معه وروحا له مثل لفظ يزكّى في قوله تعالى : بَلِ اللَّهُ يُزَكِّي مَنْ يَشاءُ « 1 » ، فانّه يجوز ان يكون بمعنى ينمى ويطهّر ويخرج الزّكاة وينعّم ويظهر النّماء أو الطّهارة أو التّنعّم ، والقرآن يكون ذا وجوه بهذا المعنى أيضا ، فانّه ورد في الاخبار تفسير الآيات بالمعاني المتخالفة المتغايرة ، بل المتضادّة ، مثل تفسير الأمانة في قوله تعالى : إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمانَةَ عَلَى السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَها وَأَشْفَقْنَ مِنْها وَحَمَلَهَا الْإِنْسانُ « 2 » ، فانّها فسّرت بمطلق التّكليف وبالصّلاة مخصوصة ، وبالولاية وبخلافة علي بن أبي طالب عليه السّلام . وبالخلافة الظاهرية وبشهادة الحسين بن علي بن أبي طالب عليه السّلام ولا شك انّ الخلافة الظاهريّة والوصاية مغايرتان معا وهما مغايرتان للشّهادة ، والكلّ مغايرة للتّكليف والصّلاة ، ولا شكّ انّ الكل كانت مندرجة في لفظ الأمانة حين نزوله على محمّد صلّى اللّه عليه وآله ، والّا لزم ان يكون تفسيرهم عليهما السّلام بغير ما كان مندرجا في اللفظ مرادا منه ، ولا امتناع من جهة اللّفظ ولا من جهة المعنى من اندراج المعاني العديدة في اللّفظ الواحد ، وسعة المخاطب واحاطتهما بجميع المعاني المحتملة ، وجواز اندراجها بالقوّة في اللّفظ الواحد يجوز لحاظ الجميع فيه ، وهذا الاندراج بنحو عموم الاشتراك أو عموم المجاز أو دخول الجزئيّات في المفهوم الكلى ، أو بنحو لحاظ الصور العديدة في المرآة الواحدة من غير اعتبار معنى كلّى بنحو عموم الاشتراك والمجاز أو بنحو الوضع للمعنى الكلى . فان اللّفظ إذا صح اطلاقه على معان عديدة بنحو الحقيقة والمجاز أو بنحو الاشتراك اللّفظى أو الاشتراك المعنوي ، جاز للمحيط ان يلاحظ في اللّفظ جميع تلك المعاني
--> ( 1 ) سورة النساء : الآية 49 . ( 2 ) سورة الأحزاب : الآية 72 .